الشيخ محمد رشيد رضا

192

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني مع عموم البلوى بذلك ، بل أمر الحائض أن تغسل قميصها من دم الحيض مع قلة الحاجة إلى ذلك ، ولم يأمر المسلمين بغسل أبدانهم وثيابهم من المني . والحديث الذي يرويه بعض الفقهاء « يغسل الثوب من البول والغائط والمني والمذي والدم » ليس من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها ولا رواه أحد من أهل العلم بالحديث باسناد يحتح به . وروي عن عمار وعائشة من قولهما وغسل عائشة للمني من ثوبه وفركها إياه لا يدل على وجوب ذلك ، فان الثياب تغسل من الوسخ والمخاط والبصاق ، والوجوب انما يكون بأمره ، لا سيما ولم يأمر هو سائر المسلمين بغسل ثيابهم من ذلك ، ولا نقل انه أمر عائشة بذلك ، بل أقرها على ذلك ، فدل على جوازه أو حسنه واستحبابه . وأما الوجوب فلا بد له من دليل فإذا كانت الاحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بيانا عاما ولا بد أن تنقل الأمة ذلك ، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب . فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما بين الافطار بغيره ، فلما لم يبين الافطار علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن ، والبخور قد يتصاعد إلى الانف ويدخل في الدماغ وينعقد أجساما والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الانسان ، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وادهانه ، وكذلك اكتحاله . وقد كان المسلمون في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم يجرح أحدهم إما في الجهاد وإما في غيره مأمومة وجائفة ، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك ، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرا . ( الوجه الثالث ) اثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحا وذلك إما قياس على بابه الجامع ، وإما بالغاء الفارق ، فاما أن يدل دليل على العلة في الأصل معدي لها إلى الفرع ، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع ، وهذا القياس هنا منتف وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله اللّه ورسوله مفطرا